مجموعة مؤلفين
250
النور الأبهر في الدفاع عن الشيخ الأكبر
ومن هذه الجملة يؤخذ أن كل ما هو مشاهد لك ، أو غائب عنك من عالم الأرواح ، أو من عالم الأعيان حقائق الأشياء صور تجلّياته تعالى ، ومظاهر أسمائه وصفاته ، فأهل الحق والمعرفة يشاهدونه تعالى بالعناية الإلهية من وراء كل شيء ، ولا يغيب عنهم في شيء . ثم إن قوله رضي اللّه عنه : فالإله مصنوع له ، وثناؤه عليه ثناؤه على نفسه ليس مراده فيه الذات الأحدية المنزّهة عن أن تعلم ، فضلا عن أن تصنع ، تعالى اللّه عن ذلك علوّا كبيرا وتقدّس ، وإنما مراده في ذلك المرتبة الألوهية التي يتوجّه إليها الخلق كافة بعقولهم ، ويرون الههم فيها ، إذ من الضروريات أن من أقرّ بالواجب تعالى ، فلا بد وأن يوجّه إليه صورة عقلية يتعملها فيه ، ويشهده من ورائها ، فهي من صنع عقله قولا واحدا ، وإن كان الأصل في ذلك دلالة الرسل عليهم السلام ، فإنها الأصل الأول ، ثم يدخل العقل ، وهذا مقرر . ألا ترى المذهب الإسلامي مع أنه واحد كيف اختلفت به صور الاعتقادات ؟ فهذا يقول : إن له تعالى صفات وجودية زائدة على ذاته الأقدس ، وهذا يقول بنفيها ، وهذا يقول : إنه فاعل مختار ، وهذا يقول : لا اختيار ؛ وهذا يتوسّط ، وعلى هذا القياس بقية الاختلافات في العقائد على حسب الصور المصنوعة العقلية ، وإن كلّا ينكر على الأخر صورة معتقده في الإله الذي لم يعتقده هو ، مع أن الكل مصنوع ، ومتعمّل في العقل ، فالكل أسير لاعتقاده ، فلا فرق في ذلك ، فكان الإنكار هنا خروجا عن الإنصاف ؛ لرجوع الكل إلى الصنع .